ابن حزم
758
الاحكام
مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي ، فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في كثير من مسائلهم إن القياس في هذه المسألة كذا ، ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك . قال أبو محمد : واحتج القائلون بالاستحسان بقول الله عز وجل : * ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ) * . قال أبو محمد : وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم ، لان الله تعالى لم يقل فيتبعون ما استحسنوا وإنما قال عز وجل : * ( فيتبعون أحسنه ) * وأحسن الأقوال ما وافق القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الاجماع المتيقن من كل مسلم ، ومن قال غير هذا فليس مسلما ، وهو الذي بينه عز وجل إذ يقول : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون . ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان ، لأنه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق ، ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل ، وتعارضت البراهين ، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانا عنه ، وهذا محال لأنه لا يجوز أصلا أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد ، على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم ، فطائفة طبعها الشدة ، وطائفة طبعها اللين ، وطائفة طبعها التصميم ، وطائفة طبعها الاحتياط ، ولا سبيل إلى الاتفاق على استحسان شئ واحد مع هذه الدواعي والخواطر المهيجة ، واختلافها واختلاف نتائجها وموجباتها ، ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون ، ونجد المالكيين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيون ، فبطل أن يكون الحق في دين الله عز وجل مردودا إلى استحسان بعض الناس ، وإنما كان يكون هذا - وأعوذ بالله - لو كان الدين ناقصا ، فأما وهو تام لا مزيد فيه ، مبين كله منصوص عليه ، أو مجمع عليه فلا معنى لمن استحسن شيئا منه أو من غيره ، ولا لمن استقبح أيضا شيئا منه أو من غيره . والحق حق وإن استقبحه الناس ، والباطل باطل وإن استحسنه الناس ، فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان . وقد روى الفتيا بالرأي في مسائل عن الصحابة .